المقريزي

96

رسائل المقريزي

صلى اللّه عليه وسلّم : « من حلف بغير الله تعالى فقد أشرك » « 1 » . ومن الإشراك قول القائل لأحد من الناس : ما شاء الله وشئت ، كما ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال له رجل : ما شاء الله وشئت . فقال صلى اللّه عليه وسلّم : « أجعلتني لله ندا ، قل ما شاء الله وحده » « 2 » . هذا مع أن الله وحده سبحانه قد أثبت للعبد مشيئة ، كقوله تعالى : لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ « 3 » فكيف بمن يقول : أنا متوكل على الله وعليك ، وأنا في حسب الله وحسبك ، وما لي إلا الله وأنت ، وهذا من الله ومنك ، وهذا من بركات الله وبركاتك ، والله لي في السماء وأنت لي في الأرض . فوازن بين هذه الألفاظ الصادرة من غالب الناس اليوم وبين ما نهى الله عنه من : شاء الله وشئت ، ثم انظر أيها أفحش يتبين لك أن قائلها أولى [ بالبعد ] من إِيَّاكَ نَعْبُدُ ، وبالجواب من النبي صلى اللّه عليه وسلّم للقائل لتلك الكلمة وأنه إذا كان قد جعل رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم ندا ، فهذا قد جعل من لا يدانيه ندا . وبالجملة فالعبادة المذكورة في قوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وبالجواب من النبي صلى اللّه عليه وسلّم هي السجود والتوكل والإنابة والتقوى والخشية والتوبة والنذور والحلف والتسبيح والتكبير والتهليل والتحميد والاستغفار وحلق الرأس « 4 » خضوعا وتعبدا ، والدعاء ، كل ذلك محض حق لله تعالى . وفي مسند أحمد أن رجلا أتى به النبي صلى اللّه عليه وسلّم قد أذنب ذنبا ، فلما وقف بين يديه قال : « اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد . فقال صلى اللّه عليه وسلّم : عرف الحق لأهله » « 5 » وخرجه الحاكم من حديث الحسن عن الأسود بن سريع وقال : حديث صحيح .

--> ( 1 ) انظر : موارد الظمآن في زوائد ابن حبان ( ك : الأيمان ب / 2 : فيما يحلف به ) ( 1177 ) . ( 2 ) حسن : رواه أحمد في « المسند » ( 1 / 214 ، 224 ) ، والنسائي في عمل اليوم والليلة ( 995 ) ، وابن ماجة ك : الكفارات ( 2117 ) ، وابن السنى في عمل اليوم ( 667 ) ، والبخاري في « الأدب المفرد » ( 783 ) وسنده حسن . ( 3 ) سورة التكوير : 28 . ( 4 ) جاء في زاد المعاد ( 3 / 115 ) لابن القيم ما ملخصه أن حلق الرأس ثلاثة أنواع أحدها : نسك وقربة كما في الحج والعمرة ، وفيه من العبودية والخضوع والذل ؛ ولهذا كان من تمام الحج ، حتى أنه عند الشافعي ركن من أركانه . والثاني : شرك وبدعة كما يحلقها المريدون لشيوخهم فيقول أحدهم : أنا حلقت رأسي لفلان ، وهذا بمنزلة أن يقول : سجدت لفلان ، فإن حلق الرأس خضوع وعبودية : بل هو أبلغ أنواعها ، ولهذا كانت العرب إذا أرادت إذلال الأسير منهم وعنقه حلقوا رأسه وأطلقوه ، فجاء شيوخ الضلال والمزاحمون للربوبية فزيّنوا لهم ذلك . . . » . ( 5 ) رواه أحمد في مسنده ( 3 / 435 ) ، والحاكم في المستدرك ك : التوبة ( 4 / 255 ) والطبراني في « الكبير » ( 1 / 263 ) ، وذكره في المجمع ( 10 / 199 ) وقال : فيه محمد بن مصعب ، وثقه أحمد وضعفه غيره ، وقال الذهبي متعقبا للحاكم : ابن مصعب : ضعيف ، وقال فيه الحافظ : صدوق كثير الأوهام ( التقريب 2 / 208 ) .